محمد بن جرير الطبري
3
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مال من خول الله ماله أهل دينه بغلبة عليه وقهر بقتال . فأما الفيء ، فإنه ما أفاء الله على المسلمين من أموال أهل الشرك ، وهو ما رده عليهم منها بصلح ، من غير إيجاف خيل ولا ركاب . وقد يجوز أن يسمى ما ردته عليهم منها سيوفهم ورماحهم وغير ذلك من سلاحهم فيئا ، لأن الفيء إنما هو مصدر من قول القائل : فاء الشيء يفيء فيئا : إذا رجع ، وأفاءه الله : إذا رده . غير أن الذي ورد حكم الله فيه من الفيء يحكيه في سورة الحشر إنما هوما وصفت صفته من الفيء دون ما أوجف عليه منه بالخيل والركاب ، لعلل قد بينتها في كتابنا : " كتاب لطيف القول في أحكام شرائع الدين " وسنبينه أيضا في تفسير سورة الحشر إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى . وأما قول من قال : الآية التي في سورة الأنفال ناسخة الآية التي في سورة الحشر فلا معنى له ، إذ كان لا معنى في إحدى الآيتين ينفي حكم الأخرى . وقد بينا معنى النسخ ، وهو نفي حكم قد ثبت بحكم بخلافه ، في غير موضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وأما قوله : مِنْ شَيْءٍ فإنه مراد به كل ما وقع عليه اسم شيء مما خوله الله المؤمنين من أموال من غلبوا على ماله من المشركين مما وقع فيه القسم حتى الخيط والمخيط . كما : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد ، قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ قال : المخيط من الشيء . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد بمثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو نعيم الفضل ، قال : ثنا سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد ، مثله . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : قوله : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ قسمة الخمس مفتاح كلام ، ولله الدنيا والآخرة وما فيهما ، وإنما معنى الكلام : فأن للرسول خمسه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن قيس بن مسلم ، قال : سألت الحسن عن قول الله : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ قال : هذا مفتاح كلام ، لله الدنيا والآخرة . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن قيس بن مسلم ، قال : سألت الحسن بن محمد ، عن قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ قال : هذا مفتاح كلام ، لله الدنيا والآخرة . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أحمد بن يونس ، قال : ثنا أبو شهاب ، عن ورقاء ، عن نهشل ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة فضرب ذلك الخمس في خمسة قسمة الخمس . ثم قرأ : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ . قال : وقوله : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ مفتاح كلام ، لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فجعل سهم الله وسهم الرسول واحدا . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ قال : لله كل شيء . حدثنا المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، في قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ قسمة الخمس قال : لله كل شيء ، وخمس لله ورسوله ، ويقسم ما سوى ذلك على أربعة أسهم . حدثنا ابن بشار ، قال ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كانت الغنيمة تقسم خمس أخماس قسمة الخمس ، فأربعة أخماس لمن قاتل عليها ، ويقسم الخمس الباقي على خمسة أخماس ، فخمس لله والرسول . حدثنا عمران بن موسى ، قال : ثنا عبد الوارث ، قال : ثنا أبان ، عن الحسن ، قال : أوصى أبو بكر رضي الله عنه بالخمس من ماله وقال : ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه ؟ . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا محمد بن فضيل ، عن عبد الملك ، عن عطاء : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ